اول صدورلجريدة 2000 سنة 1989 بالدار البيضاء لمؤسسها الصحفي بوشعيب عوازي
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 الجوانب العلمية للسيدة ماري سيسيل ديفور المليح،

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد الرسائل : 116
تاريخ التسجيل : 10/07/2007

مُساهمةموضوع: الجوانب العلمية للسيدة ماري سيسيل ديفور المليح،   الخميس نوفمبر 18, 2010 12:14 pm



الكتابةالأليغوريةفجر البدايات وخيبة الفلسفة الأوروبية



يحيى بن الوليد


تستعد بعض الأوساط العلمية، في فرنسا، للاحتفاءبالجوانب العلمية للسيدة ماري سيسيل ديفور المليح، وذلك في إطار الذكرى الأولىلوفاتها. وللإشارة فهي زوج الكاتب المغربي اليهودي إدمون عمران المليح الذي غطى على شهرتها خصوصاوأنها ذات تكوين فلسفي صلب حتى وإن كانت قد ركزت أغلب جهودها على فالتر بنيامين(1892-1940) أحد أبرز الأعضاء في مدرسة فرانكفورت الألمانية وإن كان حضوره فيها قدظل "هامشيا" مقارنة بباقي أعضائها. ويبقى أن نشير هنا إلى مدى صعوبةقراءة فالتر بنيامين، بحكم الطابع الكلي والمتنوع لأعمله وكثرة الذين درسوه ممايشكل مكتبة مستقلة. ويبقى أن نشير كذلك إلى مدى تميز ماري سيسيل ديفور على هذاالمستوى، وهو ما يبدو جليا من خلال كتابها الأخير الكتابة الأليغورية L’écritureAllégorique الذيصدر بعد وفاتها ببضعة أشهر. وهنا وقفة عند هذا الكتاب الغني إسهاما منا في نقاش"نقد الحداثة" الذي بدا لنا مهيمنا على باب "دراسات وأبحاث"من مجلة فكر ونقد.
خلال العام الماضي وعلى وجه التحديد في يومالأربعاء الخامس والعشرين من شهر نوفمبر العام 1998 فارقت الحياة السيدة ماريسيسيل ديفور المليح صديقة المغرب ومدرسة الفلسفة في جامعة السوربون. وهي التي لمتكن تفارق زوجها إدمون عمران المليح. ولذلك ليس من الغريب في شيء أن يقدم هذاالأخير لكتابها


[1] الذي سلفت الإشارةإليه قبل قليل. ويظهر أنه ثمة أكثر من علامة تجمع بينهما، في دنيا الكتابة، بدءامن التركيز على موضوع الكتابة ذاته الذي كرس له إدمون عمران المليح كتابه الأخير المقهىالأزرق (Café Bleu)وانتهاء بطريقة الكتابة المفتوحة التي تميزهما معا في أثناء تعاطيهما لبعض القضاياوالمواضيع. هذا بالإضافة إلى أن هذه الكتابة غير مأخوذة إلى "سعار"المفاهيم حتى وإن كانت هذه المفاهيم تحضر بشكل مندغم ومنجدل في عمق الكتابةوالتحليل.
ويصوغ إدمون عمران المليح، في نص التقديم،وبتركيز شديد، مجموعة من الملاحظات حول الاهتمامات الفلسفية عند ماري سيسيل ديفور.وأول ما يلفتنا إليه ثقل فالتر بنيامين (1892-1940) ومكانته اللافتة فياهتماماتها. وبعد ذلك يشير إلى أن الكتاب يتضمن بحثين هما: (رسالة إلى ديكارت)و(الكتابة الأليغورية)، ويرى أن هناك ما يقرب من عقد من الزمن يفصل بينهما لكن معذلك تظل العلاقة وطيدة بينهما، فكلاهما يستجيب للآخر ثم إن الجمع بينهما حاسمبالنسبة لها. وليست هذه أول مرة تخوض فيها صاحبة الكتاب في موضوع الأليغوريا، فلقدظلت هذه الأخيرة مثل البذرة في كتاباتها السابقة، البذرة التي تنتظر موتها كيتنمو. ولقد استطاعت سيسيل، في فترة التقاعد، والصمت أيضا، أن تشتغل أحسن على عملبنيامين الذي أخذت عنه ممارسة القراءة-الكتابة. بنيامين الذي هرب من النازية وكانتنهايته مأساوية في السادس والعشرين من شهر سبتمبر العام 1940 في الحدود الفرنسيةالإسبانية وعلى وجه التحديد في جسر (Prot-Bon)[2].دون أن نغفل أن فكره يثير شكوكا كثيرة متصلة بـ "الإيديولوجيةالصهيونية"، هذا بالإضافة إلى أن هناك من ينعته بـ"حاخام ماركسي"و"مادي مسيحي"… وسبب ذلك مقاربته الجديدة للتاريخ. غير أن ما يتفق عليهالكثير من دارسيه هو أن فكره يظل دوما في حاجة إلى من يكتشفه، وفي موازاة ذلك يظلفي حاجة إلى تلك القراءات الهادئة كما يعلق أحد المهتمين به[3].
ولكي نعود إلى نص التقديم فإن إدراك التاريخ،عند بنيامين، لا يأخذ معناه وحقيقته إلا من خلال الحاضر، مما يقود إلى الوقوف عندحجم الصدام بين هذا الحاضر وما جرى في الماضي. وأهمية فكر بنيامين تكمن في أنهيقود إلى التفكير في إنقاذ الحاضر وانتزاعه من التكرار والموت اللذين نتجا عنهيمنة الإيديولوجيا وأساطير العالم المعاصر… ومثل هذا النوع من الاشتغال الفلسفييدرجه إدمون عمران المليح ضمن ما يسميه بـ "الفلسفة المتطفلة"[4]التي يقول بأنها تتغذى أبدا من التأويلات الضرورية لكبار الفلاسفة. وفي السياقذاته يشير إلى الجرأة الهادئة والثقة المحتدمة التي تميز تعامل سيسيل ديفور مع فكربنيامين، مما جعلها تتوصل إلى قمم هذا الجبل-الفكر. وكما يشير إلى تركيزها على عصرالنهضة حيث سر اللغة الخفي، والأدب الذي "نحيا به"، والإبداع المطلق.وهو ما يصدم الذهن العلمي أو الذهن الفلسفي ذاته. تلك إذن هي أهم الملاحظات لأدمونعمران المليح حول رحلة سيسيل ديفور في أعمال فالتر بنيامين الذي ظل –كما يقولبيانسيوتي عنه- يتسكع في حدود المذاهب المتصارعة من تاريخ وسوسيولوجيا واستيتيقاوتيولوجيا.
وأول ما تشير إليه صاحبة الكتاب في نص الرسالة(رسالة إلى ديكارت) -التي جاءت على غير لسان ماري سيسيل ديفور- هو الكتاباتالكثيرة عن الفيلسوف الفرنسي، غير أن الأهم ليس هو العدد كما تضيف. وويل للذينيقرؤونه ممن لا يقدرون على قراءة ما بين السطور. وعلى الرغم من الفترة الزمنيةالتي تفصل بين القرن السابع عشر ونهاية القرن فما زال لديكارت حضور كبير. ولذلك ماالذي يمكن أن يقوله لنا؟ أسئلته، أجوبته التي تظهر أنها غير قادرة على أن تكونأجوبتنا. لكن من أين له هذا الحضور القوي. وهل يمكن له أن يضيء ذاتي كما تقول صاحبةالرسالة. وعلى مستوى آخر فهي تذكره بالتعسف الذي ألحقه به التعليم المنحط. وقبلذلك تذكره بأستاذه مونتين الذي كان يقرؤه حفنة في مدرسة (La Flêche). كما تذكره بعصره الجديد (وقتذاك) الذي سيظهر فيه ما سيكون أفضلوأخطر ما في هذا العالم: سلطة العقل، العقل الذي سيسوي بين الناس. وكذلك الحريةالتي ستكشف عن نفسها، عند ديكارت دائما، في شكل فكرة-قوة. وتذكره أيضا بما كان قدتصوره من أن العلم الجديد قادر على جعل الإنسان سيدا ومالكا للطبيعة، سيدا ومالكالنفسه أيضا، ومؤكدا وجوده في فكره.
لكن سرعان ما تتغير لهجة الرسالة تجاه ديكارت إذما الذي يمكن أن نفعله في عصر أخذ فيه الكل ينهار؟ عصر لم نعد نرى فيه قيما جديدةتظهر. إضافة إلى مشكلة الإنسان التي طرحت بقوة. الإنسان الذي هو لا شيء كما قالمونتين، والذي هو كل شيء كما يقول ديكارت. عدا ما انتهى إليه العقل ذاته أمام آلةالخراب. فنحن نمر بمرحلة حرجة بالنسبة للإنسانية جمعاء… حيث الحرية/حرية الفكر،التي طالب بها ديكارت، صارت مهددة في جميع بلدان العالم ومن جميع الجهات وبأشكالمختلفة. وباسم العقلانية يتم إسكات الأشخاص، وطمس الحرية. نحن الآن في أزمة أعمقمن أزمة القرن السادس عشر، القرن الذي جاء بعده ديكارت، طالما أن القيم انقلبت إلىضدها. فالحرية صارت فخا يأسر الإنسان، والعقل لم يعد قوة للحرية بل صار –ولا يزال-قوة للاضطهاد. وكما أن ظهور الأنساق التوتاليتارية ليس طارئا، فالمنطقالتوتاليتاري منكتب في قلب تطور الديمقراطيات الأكثر تقدما. وقد حصل ذلك عندما تمتدمير حرية العلاقة بين الإنسان وذاته، وبينه وبين المجموعات التي ينتمي إليها؛وعندما تم تدمير حرية الكلام المتبادل وبالتالي جعل الانفعالية واللامبالاةالقانون الكلي تجاه الآخر.
وكما أن المشهد التاريخي صار مشهدا للتكراروالعجز، صار المشهد السياسي مكانا للموالفة (أو التوليف) (Bricolage) والمغامرة والمغامرين. العالم، الذي كان شابا، في فترة ديكارت،مات، ولا يزال يموت؛ هذا الموت الذي نحياه، نحن أموات أحياء. إنه الارتداد إلىالحالة الحيوانية التي يعرض لها كافكا، والتي هي حقيقة زمننا. إضافة إلى ما كان قدجعله كافكا نفسه، تبعا لملاحظة أدورنو، من "وجود ما قبل-إنساني" يطفوعلى سطح الفرد والمجتمع. تلك إذن هي صورة العالم البورجوازي الذي لم يتوقف عنالموت-الموت اللامحدود، تلك هي حقيقة جهنم. كذلك التاريخ الذي جاوز حدوده، لأنهبدون مطلب التقدم الذي نادى به لا يمكن له أن يفكر كتاريخ، ليس له مكان. لقد حصلالعكس فصار التاريخ قناعا للتكرار، من هنا وجه جهنم أيضا. ولذلك ينبغي ابتكار فكرآخر، ولغة جديدة. وربما ديكارتنا (Notre Descartes) لم يولد بعد.
أما الرسالة الثانية فتفتح بانتظار ديكارت جديد.وبعد ذلك تتم الإشارة إلى الأصل الأوروبي الذي جعل صاحبة الرسالة تخلط بين ظهورالفلسفة المفهومية (conceptuelle)العقلانية الغربية وظهور الفلسفة بشكل عام. وهي بذلك تريد أن تستدرك أن الفلسفةالأولى لا تعدو أن تكون مجرد جزء من الثانية. وفي هذا السياق تشير إلى أن بنيامينأفهمها أنه كم من مرة كانت قراءة ديكارت لا تحيد عن الأصل الغربي طالما أنها (أيالقراءة) كانت مركوزة في المفاهيم. إننا انفصلنا عن أصولنا، كما تقول، عن ولادتناالأصلية، عن اللغة التي ولدنا بها والتي كانت مصدر إنسانيتنا. وبإهمالنا اللغةضيعنا عالم التخيل وعالم الفن، مثلما تسرب العجز إلى اللغة بسبب المفاهيم والبناءالعقلاني. من هنا التساؤل حول العصر الكلاسيكي الذي نتج عنه الغرب. كيف أمكن لهذاالعصر أن يؤدي إلى الأزمنة الحديثة بعد أن رسم نهاية النهضة. وكيف تمكنت أوروبا منتشكيل هذه السلطة الفادحة والمدمرة لبقية الكوكب. من هنا ينبغي التفكير في النهضة.وهو ما يقود، في نظر ماري سيسيل ديفور دائما، إلى ما يسميه بنيامين اليقظة التي هيقرينة اللغة والكتابة الأليغورية… خصوصا وأن تاريخ العصور القديمة لم يكن مليئابالصراعات والحروب الدينية. ثم إن الأليغوريا لا تنبثق من الرغبة المنحدرة منالوعي، فهي تظهر من الحب والاسم، الاسم الذي لم نبتدعه لكننا تلقيناه، أعطي لناوبواسطته ننتمي للإنسانية، ونكون قادرين على الحب وأن نكون موضع حب من طرفالآخرين. ولذلك ينبغي وضع ديكارت نفسه موضع السؤال. ديكارت الذي صارت العقلانية،ومن خلاله، مثل نموذج كوني للمعرفة يلغي كل شكل قديم أو غريب. من هنا (كان) ضياعفجر البدايات، وفي مقابل ذلك الانغلاق في التسلطية (Autoritarisme).
وفي ما يتعلق بالكتابة الأليغورية، ومن منظوربنيامين، تقول بأن الشذرات البارقة لهذا الأخير تتيح الوقوف عند مفهومين يقعان فيقلب هذا المنظور، وهما: الأليغوريا واليقظة، وهذان المفهومان مترابطان، ولا يمكنفهمأحدهما بمعزل عن الآخر. والأليغوريا، في عبارة الكتابة الأليغورية، لا تعنيالبتة أنها مجرد أداة لهذه الكتابة. فهي لا صلة لها بما هو خارج عنها، هي أليغورياوكتابة في نفس الآن. هي، في جوهرها، كتابة. ولقد وقعنا، كما تقول سيسيل ديفور، فيخطأ أصلي يبدأ تاريخه من القطيعة المتعجرفة مع الأليغوريا، وذلك عندما أردنااستبدالها بالمفهوم مع أن هذا الأخير ناتج عنها.
وتظهر الأليغوريا من الوحدة الديالكتيكية بينالمفاهيم، مثلما تظهر من القوانين الذاتية لهذه الوحدة.. وفي التحليل الأخير فهيتظهر من اللغة: هي كتابة. لكن أي نوع من الكتابة؟ وهنا تميز صاحبة الكتاب بينالكتابة التأملية والكتابة المفهومية، ومن الجلي إذن أن تميل إلى الكتابة التأمليةالتي تجعل من الإصغاء العاشق للشيء المحسوس العنصر الأساس للإبداع الفني وإدراكه.وفي هذا السياق إذا كانت اللغة صيغة للوجود والتفكير فهي صيغة للكتابة أيضا. غيرأن التبدلات، التي مست إنسان العصر الكلاسيكي، حصرت اللغة في الوظيفة الأداتيةوالزخرفية. ولذلك فإن ما سعى إليه بنيامين هو بعث الأليغوريا، حقيقة انتمائهاللإنسانية والتاريخ، من هنا ضرورة العودة إلى ما كانت عليه الأليغوريا في الماضيحيث زمن الحقيقة وزمن التاريخ.
والغاية من بعث الأليغوريا ليست من أجل تمجيدالماضي، بل من أجل الإنسانية-يقظة وولادة جديدتين. وهي قد تضيء حداثتنا، قد توقظهافي النهاية. وكما أن الفكر المفهومي لا يعرف إلا النثر في خاصيته النفعية، وفيمقابل ذلك فهو يتجاهل الشعر الذي يقوم على تعارض الدلالات واللعب بالكلمات… وهنايمكن أن نفهم الخاصية التثويرية للأليغوريا، وإرادة الهدم التي تغذي قصديتها. وإذاكانت الصور القديمة تغلقنا في الماضي فإن الصور الجدلية تخلصنا من هذا الانغلاق.وهذا هو العجز الذي ينبغي تفاديه. ثم إن تصورات بنيامين تفيد أن نقد الحداثة لايفارق الحداثة ذاتها بله هو جزء منها. وضمن الكتابة الأليغورية تتأكد أهميةهولدرلين ومالارميه وبروست وجويس وكافكا وأرتو والسوريالين وجان جنيه وبودلير[5].هذه هي الكتابة التي ينبغي أن تنقذ (بالفتحة على القاف). من هنا السعي إلىالانتماء إلى لغة ما قبل الحداثة، ومن هنا كذلك خيبة الفيلسوف الأليغوري الذي يريدأن يظهر على السطح الاجتماعي والسياسي من أجل الإنسانية جمعاء. وفي هذا الصدد فإنبنيامين فتح مسالك جديدة للفكر والكتابة الغريبين، مسالك الكتابة الأليغورية التيلا يبقى إلا أن نلتزم بها.
وتواصل صاحبة الكتاب حديثها عن الكتابة، وتقولبأن العلامات هي التي تشكلها. لكنها تستدرك قائلة بأننا ضيعنا اللغة بسبب هذاالتعريف، وأرغمناها على أن تكون مجرد أداة في خدمة الفكر المفهومي، من هنامناداتها بالعودة إلى ما قبل السقوط، الماضي، زمن النهضة. والكتابة هي التي تستردالأليغوريا، وليس الفكر المفهومي، إنها العودة إلى الأصل. إلا أن الأصل، عندبنيامين، وتبعا لأفلاطون، ليس سؤالا تاريخيا، ليس سؤال السبب كما يعلمنا العلم،إنه سؤال الكائن ذاته. إنها الفكرة الأفلاطونية حول الاسم الذي يتضمن، في ذاته،صيرورته المخصوصة. إنها اليقظة للأصل، اليقظة نحو التاريخ، اليقظة التي تقودناإليها اللغة والكتابة. والأليغوريا هي حركة الكتابة الصاعدة نحو نبعها الذي هو نبعالكتابة. ذاك الأصل الذي لا يمكن الوصول إليه، الأصل الذي بدونه تختفي الكتابة.ويبقى أن نفهم كيف أن اليقظة هي هذه العودة للتاريخ، اليقظة نحو التاريخ وإلىالتاريخ، العودة إلى الأصل. وكيف أن اليقظة هي وظيفة الكتابة، الكتابة التي ليستإرثا لأحد أو طبقة اجتماعية، الكتابة التي هي للجميع: يوطوبيا مجتمع بدون طبقةبالمعنى الماركسي للكلمة. وهو ما يقود إلى الحقيقة التي تنأى عن أي نوع منالقدصية. فالحقيقة كائن بدون قصدية، القصدية التي تتشكل من خلال الأفكار. وفي هذاالصدد يمكن أن نضيف مع إحدى دراسات فالتر بنيامين أن الكتابة، في الأليغوريا، هيعلى وجه التحديد هذا الشيء الذي يبقى مثل طيف، ومثل ظل مرتبط بخطاب يهرب إلىالأمام (أمامه)[6].
وعلى مستوى آخر تتحدث ماري سيسيل ديفور عن البعدالإنساني والبعد الروحي والأخلاق. وكيف أن هذا البعد هو ما ينقصنا لكي نفهم،وبعمق، ما يمكن أن تكون عليه الأليغوريا واليقظة. وهو البعد الذي اختفى منذ نهايةالنهضة بسبب اللامبالاة تجاه علامات اللغة. وفي هذا السياق تحدثنا عن موت أوروبا،وهو خطاب ألفناه، ويدخل في إطار خطابات النهايات؛ غير أن صاحبة الكتاب تبدو متميزة على هذا المستوى. فأوروبا هي نفسها التيأعلنت موتها، وحصل ذلك منذ فجر العصر الكلاسيكي وعندما قررت تجاهل الآخر. وهناتظهر –لصاحبة الكتابة- أهمية فكر ليفيناس الذي تلمس فيه بعدا يصدع الأنطولوجياوانغلاق الكائن. ثم إن أنطولوجيا مارتن هيدغر، التي نجحت في إظهار الاتجاهاتالعميقة للفلسفة الغربية، لا تخلو، في توجهها الباطني، من التوتاليتارية. ولذلكفإن فكر ليفيناس نجح في إصلاح الأخلاق. الأخلاق القادرة –بلغة سيسيل ديفور- علىإنقاذنا، وذلك من خلال الاعتراف بالآخر. غير أن الاعتراف بالآخر ليس خلطا أو توحدابه. الآخر هو آخر. وهو مختلف وينبغي أن يكون ذلك حتى يتحقق التفاعل الذاتي (Intersubjectivité). إنه الاعتراف بواقع الآخر. من هنا منشأ اليقظة، يقظة ماري سيسيلديفور هذه المرة.
وفي البحث الأخير من الكتاب، والمتعلقبـ"النص والصورة"، تشير صاحبته إلى فكرة مهمة تتعلق باستقبال فكربنيامين بفرنسا. وتلاحظ أنه جاء متأخرا ومتناقضا، وهي ترد ذلك إلى المؤولينالمخلصين للتقاليد والتابوهات الجامعية، مما أوجد فكر بنيامين ضمن ثنائيات تريد أنتأسره داخل الشيوعية أو الصهيونية، المادية الملحدة أو الفكر الصهيوني. وفي البحثنفسه تدعو صاحبة الكتابة إلى التفكير في القطيعة التي ابتدأت من القرن السابع عشرإلى العصر الكلاسيكي، وأدت بالتالي إلى قطائع أخرى. تلك القطيعة، في اللغة، التيأدت إلى الفصل بين اللغة والفكر ذاته. ولذلك صارت اللغة، في الثقافة الغربية، مجردأداة للفكر؛ مثلما اختزلت وظائفها، على مستوى علاقتها بالذات المفكرة والوعي، فيالتعبير والتواصل. ففي العصر الكلاسيكي فقدت اللغة –والكتابة- وجودها المخصوصوإمكانية الحياة الروحية. وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها ميرلو بونتي،على صعيد إعادة تقييم اللغة، فإن هذه الجهود لم تتمكن من زحزحة الأفكار المسبقةالتي تتحكم في أسس المعرفة-معرفتـ(نا). ونحن الغربيين، كما تقطع، لم نبتكر كونيةالعقل (عقلنا). وتضيف أنه من الصعوبة فهم بنيامين، مستحيل مقارنته مع أي كان؛ ومنالصعوبة موقعته حتى في موقعه الخاص. فموقعه بعيد عن الإيديولوجيا المادية أوالروحانية، التيولوجيا أو المادية الملحدة، الصهيونية أو الشيوعية. هو يفكر شعريا،وضمن هذا التفكير يتمثل التفكيك الكلي للعلاقات الاجتماعية السائدة ولإرادةالسيطرة على الأشياء. فالإنسان مسؤول على سقوط اللغة في العلامات وعلى ضياعالأليغوريا.
تلك إذن هي أهم الأفكار الواردة في الكتاب.والخلاصة هي أنه دعوة إلى التفكير في إنقاذ الأليغوريا التي ترادف الفلسفة ذاتهافي تصور صاحبته. ويمكن أن نتساءل حول تركيزها على فالتر بنيامين بدلا من تيودورأدورنو (1903-1969) أو هربرت ماركوز (1898-1979)… أو يورجن هابرماس (1929) أحدأبرز المطورين للنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت في وقتنا الحاضر، النظرية التيتحترس من صيغة "ما بعد الحداثة"، أو "ما بعد بعد الحداثة" كما رحنا نسمع في الآونةالأخيرة، وذلك بسبب المخاطر التي أخذت تهدد الإنسانية من جهات عديدة.
ومن الجلي إذن أنه ليس هناك أدنى شك حول الأهميةالقصوى لفكر بنيامين على هذا المستوى. وفي الوقت نفسه لا بأس من الإقرار بصعوبةتأويله، إنه مؤلف صعب كما يقول عنه صديقه سرشوم شوليم[7].وهو ما يفسر كثرة الذين درسوه سواء من أصدقائه مثل شوليم نفسه الذي ألف عنه كتابايحمل عنوان فالتر بنيامين بالألمانية العام 1975 مثلما أهدى إليه كتابه حولالتيارات الكبرى للتصوف اليهودي، ولا داعي للحديث عن الميول الصهيونية عندهذا الأخير والتي قادته مبكرا إلى الرحيل عن ألمانيا (1923) نحو فلسطين… أوالمفكرة اليهودية كذلك Hannah Arendt (1907-1975) صاحبة الأبحاث الكثيرة حول التوتاليتارية والعداءللسامية والتي فرت بدورها من ألمانيا النازية نحو فرنسا وبعد ذلك إلى الولاياتالمتحدة الأميركية، أو صديقه بيير ميسال الذي توفي في شهر أكتوبر العام 1986 وقبلأن يظهر بعام واحد كتابه حول العبور الخاطف لفالتر بنيامين. ولعل القاسمالمشترك بين هؤلاء هو محاولة الحفاظ على فكر بنيامين من الإتلاف والاختلاس. ويظهرأن ماري سيسيل ديفور أقرب من هؤلاء بحكم إعجابها الكبير بفكر بنيامين حتى وإن كانتتركز على جانب فيه دون سواه، وهو جانب الأليغوريا التي قادتها إلى الكتابة، غير أنالسؤال الأساس الذي يمكن طرحه مع C.Pernet في كتابها حول فالتربنيامين: ما هو على وجه التحديد الشيء الذي تراهن عليه هذه الاستيطيقا المؤسسةعلى الأليغوريا؟ وتجيب صاحبة السؤال بأن الأمر يتعلق بدفع وهم حياة طبيعيةودفع الخلط بين الحياة والطبيعة، وذلك من أجل تبيان أنه لا حياة إلا للذي يمكنه أنيتكلم وأن يتمثل وإلا لهذه الأشكال التي تقلبها اللغة، وبعد ذلك تهجرها وهي تهجرهالأنها تموت[8].ولعل ما سبق، من عرضنا لأفكار ماري سيسيل ديفور، هو جوابها على هذا السؤال العريض.وفي هذا الصدد يمكن أننركز على مدى إعجابها "المطلق" بفكر بنيامين دونالاختلاف معه ولو في نقطة صغيرة. ولذلك فهل مصدر البربرية الحضارية أو البربريةالقائمة في الحضارة من كون أن هذه الأخيرة تتغذى من الأول كما يقول بنيامين، وهوما يستخلص من كتاب ماري سيسيل ديفور، أم أن البربرية كامنة في نفسياتنا وأخلاقناأيضا طالما أن هذين العنصرين الأخيرين –وفي كنف الحضارة ذاتها- بربريان كما يقولباحث آخر معاصر هو إدغار موران[9].
هذا من جهة أولى ومن جهة ثانية فإن الرجوع إلىديكارت له أهمية بالغة، والشيء ذاتهيقال عن بنيامين، لكن كيف يمكن القفز على ماركس[10].هذا عدا مسألة الإيقاع وعلاقته بالعلامة في نسق تصور بنيامين للأليغوريا، وهو مايلتفت إليه هنري ميشونيك في دراسة لافتة حول الأليغوريا عند بنيامين. هذا بالإضافةإلى أن صاحبة الكتاب لا تكترث بما أسماه شوليم اللون الشخصي لفكر بنيامين[11].وفي هذا السياق تستوقفنا دراسة ميشونيك إذ تمثل الأليغوريا بالنسبة لبنيامين معنىالضياع-ضياغ كل شيء وضياع المعنى ذاته، وفي ضوء هذا الضياع يقول إن المعنى الذيأعطاه بنيامين للأليغوريا هو معنى علاقته باليهودية، وهكذا يخلص إلى أن تجربةبنيامين هي في حد ذاتها أليغوريا تاريخ يبحث عن معناه الخاص. إنها مغامرة يهودية[12].وفي الواقع إن هناك أكثر من دارس، لفكر بنيامين، لا ينحو هذا المنحى. ومن المؤكدأن صاحبة الكتاب واحدة من هؤلاء. ويبقى أن نختم أنها تتحرك من داخل الفلسفةالغربية ذاتها، ويدافع نقد هذا الفسيفساء الغريب الذي يدعى الحداثة، إلا أن الأهمهو أن هذا النقد جزء من الحداثة ذاتها.


[1] Marie-Cecile Dufour-El Maleh :L’écriture Allégorique, La pensée sauvage, Editions, 1999.
وللإشارة فإننا لن نحيل إلى صفحات لكي لا نثقل كاهلهبالأرقام.

[2] بخصوص سيرةفالتر بنيامين انظر:
Bernd Witte : WaterBenjamin-une biographie. Traduit-AndréBernold. Cerf, Paris, 1988.

[3] Catherine Coquio : (Lacritique Envoûtée), in Rendez-vous avec Walter Benjamin/ Critique et Théorie(Collectif). L’Harmattan,Paris, 1996, p84.

[4] في الواقعهذه تسمية ماكرة، ولا ينبغي أخذها بمعناها السطحي. ويمكن فهمها في ضوء ما يعرف بـ"الفكر القرائي" (la pensée lectrice)، ومعناه أن الفكر متوالية قرائية أي أنه وراء أكثر من مفكر(معاصر) منفكر آخر.

[5] مسألةالنقد الأدبي عند فاتلر بنيامين يمكن أن تكون موضوعا مستقلا طويلا ويكفي أن نشيرهنا إلى أن النقد عنده هو نوع مستقل ويتوفر على عمق وجمال، أي أنه لا مجال فيه إلىما يمت بأية صلة لأن يكون مجرد خدوم بسيط للعمل أو الجمهور، فهو ينافس الإبداعذاته. انظر:
Jean-Michel Palmier : La recréation de la critique littéraire commegenre philosophique chez Walter Benjamin/propose de la critique(collectif). L’Harmattan, Paris, 1995, p79.

[6] Catherine Pernet : Walter Benjaminsans destin, La différence, Paris, 1992, p40.

[7] Gershom Scholem : Fidélitéet Utopie – Essais sur le Judaisme contemprain. Traduit-Margnerite Delmotteet Bernard Dupuy, Calmann-Lévy – France, 1978, p120.

[8] Catherine Pernet :Water Benjamin sans destin, p42.

[9] Edgar Morin : De l’incertitudedémocratique à l’Ethique politique/une politique de civilisation – Edgar Morinet Samir Naïr. Arlea, Paris, 1997, p177.

[10] انظر فيهذا الصدد:
Edgar Morin : A la recherche des fondements perdus/une politique decivilisation.

[11] G.Scholem : Fidélité etUtopie, p126.
[12] Henri Meschonic : (L’allégoriechez Walter Benjamin, une aventure juive). Walter Benjamin, Paris(collectif), Cef, 1986, p741.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://aouazi.keuf.net
 
الجوانب العلمية للسيدة ماري سيسيل ديفور المليح،
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
Journal 2000 . Redacteur en chef : AOUAZI BOUCHAIB - E-mail: Prost_ya@hotmail.com :  :: الساحة الصحفية :: المنتدى الثقافي-
انتقل الى: